اعتراف “إسرائيل” بـ “صومالي لاند” وحظوظ انفصال جنوب اليمن في صراع الممرات المائية

أحدث اعتراف ما يسمى “إسرائيل” بـ “صومالي لاند” كدولة مستقلة في ديسمبر 2025 زلزالاً جيوسياسياً في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لكن تداعياته لم تتوقف عند الساحل الصومالي. فهذا الاعتراف، الذي جاء في خضم تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات في اليمن، يُنظر إليه كخطوة استراتيجية تمهد الطريق لسيناريوهات مماثلة في جنوب اليمن، وتكشف عن تقاطع مصالح عميق بين تل أبيب وأبوظبي في السيطرة على الممرات المائية الحيوية.
إن حظوظ انفصال جنوب اليمن، المدعوم إماراتياً، تبدو اليوم أكثر ارتباطاً بالرؤية الإسرائيلية للأمن البحري مما هي عليه بالديناميكيات الداخلية اليمنية.

حظوظ انفصال جنوب اليمن.. “صومالي لاند” كنموذج
يُمثل اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بصومالي لاند سابقة خطيرة، لكنها في الوقت ذاته دفعة قوية لمشروع انفصال جنوب اليمن الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) المدعوم إماراتياً.

النقاط المشتركة التي تعزز حظوظ الانفصال:

 

1.الشرعية التاريخية (المطالبة): كما انفصلت صومالي لاند عن الصومال عام 1991، يطالب المجلس الانتقالي الجنوبي بإحياء دولة جنوب اليمن التي كانت قائمة قبل الوحدة عام 1990.

 

2.السيطرة الميدانية: يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي فعلياً على معظم المحافظات الجنوبية، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن، مما يخلق واقعاً على الأرض يشبه حالة صومالي لاند.

 

3.الغطاء الإقليمي والدولي: يوفر الدعم الإماراتي، واحتمال الاعتراف الإسرائيلي، غطاءً إقليمياً ودولياً غير مسبوق لمشروع الانفصال. وقد أشارت تقارير عبرية (صحيفة معاريف) إلى أن إسرائيل تدرس الاعتراف بكيان في جنوب اليمن كخطوة تالية لمواجهة الحوثيين .

التحديات التي تواجه الانفصال

على الرغم من هذه الدوافع، تظل حظوظ الانفصال الكامل صعبة في المدى القريب بسبب الرفض السعودي القاطع، والتمسك الدولي بمبدأ وحدة اليمن (الذي تدعمه الأمم المتحدة والجامعة العربية)، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية بين المكونات الجنوبية نفسها.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة “اللا دولة” أو “الأمر الواقع” الذي يسيطر فيه المجلس الانتقالي على الجنوب دون اعتراف دولي كامل، مع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية على السعودية لقبول تسوية سياسية تضمن مصالح الوكلاء الإماراتيين.

الرؤية الإسرائيلية الإماراتية.. تحالف الممرات المائية

تتقاطع المصالح الإسرائيلية والإماراتية بشكل حاسم في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، مما يفسر الدعم المشترك لمشاريع الانفصال التي تضمن السيطرة على السواحل.
الهدف الاستراتيجي
الرؤية الإسرائيلية
الرؤية الإماراتية
التقاطع المشترك
الأمن البحري
تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب من تهديدات الحوثيين وإيران.
السيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية (سقطرى، ميون، عدن) لتعزيز النفوذ التجاري والعسكري.
تطويق النفوذ الإيراني ووكيله الحوثي، وضمان حرية الملاحة العالمية التي تخدم مصالح الطرفين.
صومالي لاند
الحصول على موطئ قدم استخباري وعسكري على الساحل الأفريقي المقابل لليمن.
تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وتوفير عمق استراتيجي لمشاريعها في اليمن.
إنشاء محور أمني يمتد من الساحل الأفريقي (صومالي لاند) إلى الساحل الآسيوي (جنوب اليمن).
جنوب اليمن
إضعاف الحوثيين عبر إنشاء جبهة مضادة في الجنوب، وربما قاعدة عسكرية محتملة.
ترسيخ السيطرة على الجنوب عبر المجلس الانتقالي، وتأمين مصالحها الاقتصادية في الموانئ.
تقسيم اليمن إلى كيانات صغيرة ضعيفة يسهل السيطرة عليها، بدلاً من دولة موحدة قوية.
إن اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بصومالي لاند هو رسالة واضحة بأن تل أبيب مستعدة لاستخدام ورقة “دعم الانفصال” كأداة جيوسياسية لتأمين مصالحها، وهو ما يخدم الأجندة الإماراتية التي تعتمد على الوكلاء المحليين لتقسيم اليمن والسيطرة على مناطقه الحيوية.

الرفض السعودي.. الأمن القومي ومبدأ الشرعية

على النقيض من الرؤية الإسرائيلية الإماراتية، تقف المملكة العربية السعودية موقفاً رافضاً بشكل قاطع لأي محاولة لتقسيم اليمن أو الصومال، وهذا الرفض ينبع من دوافع عميقة تتعلق بالأمن القومي والمبادئ السياسية.

 

1.الأمن الحدودي والاستقرار: ترى السعودية أن انفصال جنوب اليمن سيؤدي إلى إنشاء دولة ضعيفة وغير مستقرة على حدودها الجنوبية، قد تتحول إلى ساحة صراع مفتوحة أو تخضع لنفوذ إقليمي منافس (الإمارات). بالنسبة للرياض، فإن وحدة اليمن هي الضمانة الوحيدة لاستقرار حدودها الطويلة.

 

2.مبدأ الشرعية ووحدة الدولة: تتبنى السعودية مبدأ التمسك بوحدة الدول وشرعيتها المعترف بها دولياً (اليمن والصومال). إن دعم الانفصال يفتح الباب أمام سوابق قد تهدد استقرار دول أخرى في المنطقة، بما في ذلك دول الخليج نفسها.

 

3.تطويق النفوذ الإماراتي: تدرك الرياض أن دعم انفصال الجنوب هو جزء من استراتيجية إماراتية لتطويق المملكة من الجنوب عبر وكلاء موالين لأبوظبي، مما يهدد المصالح السعودية في الموانئ والمناطق الحدودية.

 

في الختام، يمثل اعتراف كيان اليهود “إسرائيل” بصومالي لاند فصلاً جديداً في صراع النفوذ على الممرات المائية. هذا التحالف الإسرائيلي الإماراتي، الذي يدعم مشاريع الانفصال، يضع السعودية في موقف صعب، حيث تجد نفسها مضطرة لمواجهة حلفائها السابقين للحفاظ على مبدأ وحدة اليمن، الذي تعتبره خط دفاع أول عن أمنها القومي واستقرار المنطقة.
فإلى أي حد قد تذهب السعودية لعرقلة الجشع الإماراتي؟ وهل سترتمي في أحضان المشروع الإسرائيلي في محاولة للتسابق على مرضاة تل أبيب؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.

عبد الغني أحمد