مستقبل الجماعات الجهادية في ظل التفكك الجيوسياسي في اليمن والصومال

يشهد المشهد الأمني في جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي تحولاً جذرياً مع مطلع عام 2025، حيث استطاعت الجماعات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب المجاهدين، التكيف مع حالة التفكك الوطني والصراعات الجيوسياسية الراهنة.

لم تعد هذه الجماعات تعتمد فقط على حرب العصابات في إسقاط الأنظمة المحلية، بل أصبحت فاعلاً جيوسياسياً صاعدا تفتح له مشاريع الانفصال، والتدخلات الإقليمية المتضاربة، وفراغات السلطة الناتجة عن تنافس القوى الكبرى، الطريق لتحقيق التمكين الإسلامي الذي تسعى له بإصرار في مشروع خلافة إسلامية شاملة.

الساحة اليمنية – إعادة التموضع في ظل الانقسام

يعيش تنظيم القاعدة في اليمن مرحلة “البعث الجديد” تحت قيادة الشيخ سعد بن عاطف العولقي، الذي تولى زمام الأمور في مارس 2024. استراتيجية العولقي تعتمد بشكل أساسي على تقديم الحل الأوثق بديلا عن الحلول المتناقضة التي تقدمها المكونات المناهضة للحوثيين، وخاصة بعد ما أفرزه الصراع المحتدم بين الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي من فساد وانقسامات.

تجد القاعدة نفسها أمام طموحات الانفصال التي يقودها المجلس الانتقالي الجنوبي، الوجهة التي يتوجه لها المجندون الجدد والساخطون من التدخلات الأجنبية. إذ ترى القبائل اليمنية التنظيم كحامي لوحدة اليمن ضد “المشاريع التفتيتية المدعومة خارجياً”. ومشروع القاعدة الإسلامي المستقل والشامل، يلقى صدى لدى القبائل في مناطق مثل أبين وشبوة وحضرموت، التي تخشى من هيمنة طرف واحد أو من ضياع الهوية الإسلامية.

أدى التباين في الأجندات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى إيجاد بيئة أمنية هشة. فبينما تدعم الإمارات قوات الحزام الأمني والنخبة، تركز السعودية على دعم قوات “درع الوطن” والوحدات الحكومية. هذا الانقسام أدى إلى كشف هشاشة مشروع التحالف في اليمن. وبين خيارات مستنزفة وغير موثوقة، تبقى تجربة القاعدة السابقة الناجحة في حكم البلاد بنظام إسلامي يتصدى للفساد والتبعية، مربط ثقة وأمل جديد لأهل اليمن.

وفي وقت يطل فيه شبح المشروع الإسرائيلي المدعوم غربيا على ضفاف اليمن والصومال. يجد أول من ينبري له، مشروع الشيخ أسامة بن لادن الذي توعد اليهود والأمريكان بحرب لا هوادة فيها، حتى يحكم الإسلام الأرض وتحرر فلسطين من قبضة الصهاينة. ما يؤكد بعد الرؤى في التخطيط الاستراتيجي الجهادي، الصبور جدا وبعيد المدى.

الساحة الصومالية – القومية الجهادية والسيادة المخترقة

تمثل حركة الشباب المجاهدين النموذج الأكثر نجاحاً في واجهة الصراعات الإقليمية. فقد منحت التطورات الأخيرة في عام 2024 الحركة دليلا على مصداقية رسالتها وصواب دعوتها لإقامة نظام إسلامي شامل ومستقل للتصدي للأطماع الخارجية.

يعد توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال في يناير 2024 المنعطف الأهم. وجد الصوماليون – حتى بعض المتحدثين البارزين من المعارضة السياسية- وجدوا في الحركة “المدافع الوحيد عن السيادة الصومالية” ضد “الأطماع التوسعية الإثيوبية”. في وقت لا تزال معسكرات التدريب للحركة عنوانا لإقبال الشباب الساخط من فساد الحكومة المدعومة من الغرب، والذي يؤكده حالة العجز والإحراج التي تعانيه حكومة هشة فاسدة تقدم أصول ثروات الصومال للدول الأجنبية في سبيل البقاء في كرسي الحكم.

ومع وجود الحاضنة الشعبية التي تثق حكم حركة الشباب المجاهدين بالمقارنة مع الحكومة العميلة تستمر الحركة في تقديم نموذج حوكمة أكثر مصداقية من حكم مدعوم من الغرب يحارب الإسلام وأهله.

وفي الأثناء، تزامن التوتر الإقليمي مع خلافات حادة بين مقديشو والولايات الفيدرالية (مثل بونتلاند وجوبالاند) حول التعديلات الدستورية. هذا التفكك الداخلي، مضافاً إليه القلق من قدرة بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة (AUSSOM) على سد الفراغ الذي خلفته قوات “أتميس”، أكد فاعلية استراتيجية حركة الشباب المجاهدين وقدرتها على مواجهة التحالفات الدولية بصبر وعزيمة ووضوح رؤية، مؤكدة حضورها كـ “دولة ظل” قادرة على فرض إرادتها.

الاتجاهات العابرة للحدود – “محور الفوضى” الجديد

من أبرز ملامح عام 2025 هو نشوء تعاون غير مسبوق عابر للحدود، يربط بين اليمن والقرن الأفريقي.  حيث تجتمع فروع القاعدة في لقاء واعد امتد التخطيط له، لرسم مسار الجبهة الجنوبية للعالم الإسلام ومستقبله. وهي رؤية مدروسة بعناية لمستقبل المنطقة، والأمة المسلمة تتصدى لأطماع التحالف الغربي والمشروع الإسرائيلي في العالم الإسلامي.

الاستشراف الاستراتيجي والتوصيات

بناءً على المعطيات الراهنة، يتوقع أن تشهد الفترة القادمة السيناريوهات التالية:

  • السيناريو الأول (المرجح): استمرار حالة “اللا سلم واللا حرب” في اليمن والصومال، مما يسمح للجماعات الجهادية بالتحول إلى إمارات إسلامية راسخة متحالفة، تدير مناطق نفوذ واسعة وتتحكم في منظومات الحكم والإدارة.
  • السيناريو الثاني: انفجار صراع إقليمي مباشر (إثيوبي-صومالي أو سعودي-إماراتي بالوكالة)، وهو ما سيمثل العصر الذهبي لهذه الجماعات لإعلان “إمارات إسلامية” جديدة مستفيدة من الانشغال الدولي.

وفي كل الحالات المعطيات تذهب لصالح المشروع الجهادي للجماعات الجهادية، لكنه يتطلب صبرا ويقينا ومواصلة العمل في الاستراتيجية الموحدة بلا كلل ولا ملل.

التوصيات الاستراتيجية:

  • مراقبة التطورات المتسارعة في المنطقة والاستعداد لها.
  • حفظ مصداقية الرسالة الجهادية وصناعة وعي إسلامي يليق بأعباء المرحلة المقبلة.
  • توحيد الجهود بين المجاهدين في الصومال واليمن وإحباط الأحلام الإسرائيلية والإماراتية والتحالفات المحاربة للمشروع الجهادي على كافة الأصعدة والميادين الممكنة.
  • الاهتمام المضاعف بتوسيع سعة استقبال المجندين الجدد وتوفير معسكرات التدريب والتأكد من أهمية الاستقامة على منهج النبوة، لغاية مخلصة في سبيل الله تعالى.
  • الحذر الشديد من المساومات والعروض السياسية التي تصل أهل الجهاد في المرحلة الحرجة، فإنما هو جهاد مستمر إلى التمكين والفتح.
  • الحذر بشدة من الأحباش والإماراتيين واليهود وكل عدو مشهو بغدره.
  • التركيز على ضرب الأهداف المؤثرة ومصالح اليهود والأمريكان في المنطقة كأولوية.
  • الحرص على حفظ القدرة على الحوكمة وتقديم البديل بسرعة وبكفاءة في المناطق الجديدة للسيطرات وتوفير الموارد والخبرات مبكرا جدا للمرحلة المقبلة. بالاستفادة من الرصيد السابق من الحوكمة الناجحة.
  • العناية بالخطاب الإعلامي الذي يقدم الرواية المستقلة عن الإعلام المأجور والعميل الذي يصور المجاهدين كأعداء وحلفاء اليهود كأصحاب الشرعية.
  • تسليط الضوء على ثمرات الجهاد وتضحيات الشهداء التي كانت الممهدة لهذه المرحلة من الصعود الجهادي الواعد. وهو من الوفاء وحسن العهد، والكثير من صناعة الفهم الصحيح باستراتيجية الجهاد الكبرى التي لم تقم بين يوم وليلة بل كان دونها تضحيات ضخمة وصبر عظيم يجب أن يستمر محروسا بيقظة ورصيد ضخم آخر من التجارب الملهمة، والنجاحات التي طمسها الإعلام المحارب.

عبد الغني أحمد