تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي وتداعياتها على أمن واستقرار “الشرق الأوسط”

في مقابلة إعلامية أجراها السفير الأمريكي لدى ما يسمى “إسرائيل”، مايك هاكابي، مع الإعلامي “تاكر كارلسون” في فبراير 2026، أطلق تصريحاً أثار موجة واسعة من الانتقادات والتحليلات الاستراتيجية. وعند سؤاله عن الحق التوراتي لإسرائيل في الأراضي الممتدة من “وادي مصر إلى النهر الكبير (الفرات)”، أجاب هاكابي بوضوح:

“سيكون الأمر جيداً إذا استولوا عليها بالكامل … إسرائيل أرض أعطاها الله، من خلال إبراهيم، لشعب اختاره. لقد كان شعباً، ومكاناً، وهدفاً”.

هذا التصريح لا يمثل مجرد رأي شخصي، بل يعكس تحولاً عميقاً في الفكر الاستراتيجي لتيار واسع داخل الإدارة الأمريكية الحالية، وتماهياً كاملاً مع الأجندة التوسعية لليمين الإسرائيلي المتطرف.

تحليل الفكر الاستراتيجي الأمريكي (المسيحية الصهيونية)

يمثل مايك هاكابي تيار المسيحية الصهيونية داخل الحزب الجمهوري، وهو تيار يدمج العقيدة الدينية بالسياسة الخارجية بشكل غير مسبوق. يمكن تلخيص الفكر الاستراتيجي لهذا التيار في النقاط التالية:
المحور الاستراتيجي
التوصيف والتحليل
الشرعية الدينية فوق القانون الدولي
استبدال المرجعية القانونية الدولية (قرارات الأمم المتحدة، حدود 1967) بمرجعية “توراتية” تعتبر أرض فلسطين وما حولها ملكاً حصرياً لإسرائيل بناءً على وعود دينية.
“إسرائيل” كأداة لنبوءة “نهاية العالم”
النظر إلى قوة “إسرائيل” وتوسعها ليس كهدف سياسي فحسب، بل كشرط مسبق لتحقيق نبوءات دينية تتعلق بـ “العودة الثانية للمسيح”، مما يجعل الدعم الأمريكي لإسرائيل واجباً “إلهياً” يتجاوز المصالح القومية التقليدية.
القطيعة مع الدبلوماسية التقليدية
التحول من دور “الوسيط” أو الداعم لحل الدولتين إلى دور “المشرع” للمشاريع الاستيطانية والتوسعية، مما يقوض عقوداً من السياسة الخارجية الأمريكية القائمة على احتواء الصراع.

 

تحليل الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي (اليمين المتطرف)

تجد تصريحات هاكابي صدىً واسعاً لدى حكومة اليمين الإسرائيلي، خاصة التيارات التي يمثلها وزراء مثل “بتسلئيل سموتريتش” و”إيتمار بن غفير”. يرتكز هذا الفكر على استراتيجية “حسم الصراع” بدلاً من إدارته:
1.مشروع “إسرائيل الكبرى”: لم يعد الحديث مقتصرًا على أمن “إسرائيل” داخل حدود معترف بها، بل انتقل إلى فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية (يهودا والسامرة) وغزة، مع التلويح بأطماع توسعية في دول الجوار (الأردن، لبنان، سوريا) تحت ذريعة “المجال الحيوي” أو “الحق التاريخي”.
2.الاستيطان كأداة استراتيجية: استخدام التوسع الاستيطاني لفرض حقائق على الأرض تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية، وتحويل “إسرائيل” إلى دولة يهودية ثيوقراطية (دينية) تسيطر على المنطقة.
3.الاعتماد على “الغطاء العقائدي الأمريكي”: ترى إسرائيل في وجود شخصيات مثل هاكابي فرصة ذهبية لتنفيذ مخططات الضم والتهجير دون خوف من عقوبات أو ضغوط حقيقية من واشنطن.

التداعيات الجيوسياسية على المنطقة

إن تبني السفير الأمريكي لخطاب يدعو أو يشرعن سيطرة “إسرائيل” على “الشرق الأوسط بأكمله” يحمل تداعيات خطيرة ومدمرة على الاستقرار الإقليمي:

1. تقويض منظومة الأمن القومي العربي

يهدد هذا التوجه سيادة دول عربية أساسية مثل الأردن ومصر وسوريا ولبنان. فالتلميح إلى حدود “من النيل إلى الفرات” يضع هذه الدول في مواجهة مباشرة مع مشروع توسعي مدعوم من القوة العظمى الأولى في العالم، مما قد يدفع المنطقة نحو سباق تسلح غير مسبوق أو صراعات حدودية مفتوحة.

2. إنهاء مسار السلام وحل الدولتين

يعد هذا التصريح “رصاصة الرحمة” على حل الدولتين. فإذا كانت واشنطن ترى “أنه من الجيد” سيطرة “إسرائيل” على المنطقة، فإن الحديث عن مفاوضات أو حقوق فلسطينية يصبح عبثياً، مما يعزز خيارات المقاومة المسلحة والجهاد ويغلق أبواب الدبلوماسية.

3. تحويل الصراع إلى “حرب دينية”

بإقحام النصوص التوراتية في الخطاب السياسي الرسمي، يتم تحويل صراع سياسي على الأرض والحقوق إلى صراع ديني وجودي بين “الحق الإلهي” المزعوم وبين الشعوب الأصلية في المنطقة. هذا التحول يجعل الحلول الوسط مستحيلة.

4. تهديد الاتفاقيات القائمة

يضع هذا الفكر اتفاقيات السلام القائمة (مثل كامب ديفيد ووادي عربة) والاتفاقيات الإبراهيمية في مهب الريح، حيث لن يعود هناك اعتبار لأي نظام عربي لصالح “حق توراتي” يسلب أي نوع من السيادة.

خاتمة 

إن تصريح السفير مايك هاكابي ليس مجرد “زلة لسان”، بل هو إعلان عن ملامح مرحلة جديدة من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، تتسم بالانحياز العقائدي المطلق.
المنطقة مقبلة على مرحلة من الاضطراب الشديد، حيث يتم استبدال لغة المصالح بلغة الأيديولوجيا الصريحة، مما يتطلب من القوى المحلية والإسلامية إعادة تقييم علاقاتها وتحالفاتها لمواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي بدأ يحصل على مباركة رسمية من داخل أروقة الدبلوماسية الأمريكية.

 

ساجد العمري