ضربات المسيّرات الإماراتية في جبال عالمسكاد بالصومال.. مدنيون بين نيران الحرب

مقتل أربعة أفراد من أسرة واحدة وإصابة خمسة آخرين في غارة نُسبت إلى الإمارات، وسط اتهامات من مسؤولين أمنيين في بونتلاند باستهدافات عشوائية وغياب المساءلة.

تكشف شهادات عائلات صومالية ومسؤولين أمنيين في إقليم بونتلاند عن كلفة مدنية ثقيلة للعمليات الجوية التي نُفذت خلال الحرب على تنظيم الدولة “داعش” في جبال عالمسكاد شمال شرقي الصومال، حيث تشارك الإمارات في دعم القوات المحلية، قبل أن تتراجع ضرباتها بالطائرات المسيّرة وتتولى الولايات المتحدة دورًا أكبر في قيادة العمليات ضد التنظيم.

وفي تحقيق نشره موقع «دروب سايت» في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، روت ناجون تفاصيل غارة وقعت مساء 26 يناير/كانون الثاني 2025 قرب منطقة توغّا-خراغو، واستهدفت منزلًا تقيم فيه أسرة رعوية صومالية، وأسفرت، بحسب الشهادات الواردة في التحقيق، عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة خمسة آخرين.

أسرة فقدت أفرادًا ومصدر رزقها

كانت خضرة عبدي إسماعيل، البالغة من العمر 38 عامًا، خارج منزل أسرتها عندما سمعت هدير طائرة تحلق فوق المنطقة، أعقبه انفجار أدى إلى احتراق المسكن، الذي كان أفراد العائلة مجتمعين فيه لتناول العشاء.

وأسفرت الغارة عن مقتل أختها الكبرى لادن عبدي إسماعيل، وابن أختها عبد الصمد يوسف محمد، البالغ 13 عامًا، إلى جانب محمد عبدي قني محمد، البالغ سبع سنوات، وهاوة أحمد صلاح، البالغة 17 عامًا، والتي كانت حاملًا في شهرها الرابع. وكانت هاوة تحمل طفلها البالغ ثمانية أشهر، الذي نجا من الضربة، وفق رواية خضرة.

ولم تقتصر الخسائر على الأرواح؛ إذ فقدت الأسرة ستة جمال ونحو 400 رأس من الماعز، وهي الثروة التي كانت تعتمد عليها في معيشتها. كما أُصيبت حبيبو يوسف محمد، التي كانت حاملًا وقت الغارة، بشظايا ما تزال عالقة في رقبتها، وفق إفادة خضرة، التي قالت إن الإصابة تسببت لها في آلام شديدة وصعوبة في تحريك رقبتها، فضلًا عن فقدان الحركة في إحدى ذراعيها.

ونقل التحقيق عن أربعة مسؤولين أمنيين في بونتلاند تأكيدهم أن الإمارات نفذت الغارة، مشيرين إلى أن الطائرات المسيّرة المستخدمة في العمليات تنطلق من قاعدة عسكرية إماراتية داخل محيط مطار بوصاصو. ولم يردّت السفارة الإماراتية في مقديشو ولا وزارة الخارجية الإماراتية على استفسارات الموقع بشأن الغارة والعمليات المنطلقة من القاعدة.

منطقة آمنة تحولت إلى ساحة قصف

تثير الواقعة تساؤلات بشأن حماية المدنيين الذين أُجبروا على النزوح من مناطق القتال. فبحسب التحقيق، كانت الأسرة تعيش في منطقة ضدهار بجبال عالمسكاد، قبل أن تطلب منها القوات الحكومية، مطلع ديسمبر/كانون الأول 2024، مغادرة المنطقة بسبب وجود عناصر تنظيم الدولة فيها، والانتقال إلى منطقة وُصفت بأنها آمنة.

وقال أحمد عبدي إسماعيل، شقيق خضرة، إن أسرته كانت من بين عائلات كثيرة غادرت منازلها استجابة لأوامر القوات الحكومية، على أساس أن الانتقال سيجنبها القتال، قبل أن تتعرض للغارة في موقعها الجديد قرب توغّا-خراغو.

وبعد الضربة، نقل السكان المصابون على ظهور الجمال إلى بلدة بليدحيدين الخاضعة لسيطرة الحكومة، ثم نُقل أصحاب الإصابات الأكثر خطورة إلى مدينة بوصاصو لتلقي العلاج. ويعكس ذلك صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية في المناطق الجبلية النائية، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع حياة المجتمعات الرعوية التي تعتمد على تربية المواشي والتنقل بحثًا عن المراعي.

وتقول خضرة إن الأسرة لم تعد إلى المنطقة التي كانت تعيش فيها، بعدما خسرت منزلها ومواشيها، وإن مشاهدة الطائرات وهي تحلق فوق البلدة التي لجأت إليها تعيد إليها ذكريات الغارة.

قاعدة إماراتية ودور متغير في الحرب

وفق التحقيق، لم يقتصر الدور الإماراتي في بداية الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة في جبال عالمسكاد على الضربات الجوية، بل شمل أيضًا إسقاط إمدادات للقوات البرية في المناطق التي يصعب الوصول إليها عبر الطرق. وتكثفت الضربات خلال الربع الأول من عام 2025، ثم عادت بوتيرة متجددة في الربع الأخير من العام نفسه.

لكن التحقيق يشير إلى أن الإمارات لم تنفذ ضربات بطائرات مسيّرة في بونتلاند منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وأن عملياتها لمكافحة الإرهاب تراجعت خلال عام 2026، في وقت باتت فيه الولايات المتحدة تقود جانبًا أكبر من الحرب على تنظيم الدولة في الإقليم.

ويذكر التقرير أن الوجود الأمريكي في مطار بوصاصو يتركز على مركز للقيادة الاستخباراتية يعمل فيه أفراد مرتبطون بالقيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) ووكالة الاستخبارات المركزية، بينما وصف مسؤولون أمنيون القاعدة الإماراتية بأنها أوسع من الوجود الأمريكي الحالي في المطار.

ومع تراجع الضربات الإماراتية، لم ينته دور أبوظبي الأمني في بونتلاند؛ إذ يواصل الإماراتيون دعم قوة الشرطة البحرية في بونتلاند، التي تؤدي مهام مكافحة القرصنة والأنشطة المسلحة، بما فيها مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة. ويشمل الدعم، بحسب التحقيق، التدريب ودفع الرواتب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو ما أسهم في تعزيز مكانة القوة بوصفها أحد أبرز الأجهزة الأمنية في الإقليم.

وفي سياق العلاقات السياسية والأمنية بين الطرفين، أفاد مسؤولون أمنيون للموقع بأن رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني كان في أبوظبي في 9 أكتوبر/تشرين الأول، من دون أن يقدموا تفاصيل عن الغرض من الزيارة.

اتهامات بالاستهداف العشوائي وغياب المساءلة

اتهم أربعة مسؤولين أمنيين في بونتلاند، لديهم معرفة بالعمليات الإماراتية، الضربات الجوية بأنها كانت «كارثية» وأحيانًا «متهورة»، وفق ما نقله التحقيق. وقارن أحدهم بين أسلوب العمليات الأمريكية، الذي قال إنه يعتمد على مراقبة الأهداف والاستطلاع لفترات طويلة قبل تنفيذ الضربات، وبين الضربات الإماراتية التي اتهمها بالافتقار إلى التحقق الكافي من هوية المستهدفين.

وقال مسؤول آخر إن الطائرات الإماراتية قد تستهدف مجموعات من الأشخاص في الجبال من دون التثبت مما إذا كانوا رعاة مدنيين أم عناصر في تنظيم الدولة. وتظل هذه الاتهامات منسوبة إلى المسؤولين الذين تحدثوا إلى الموقع، ولم يتضمن التحقيق ردًا إماراتيًا عليها.

وتزداد صعوبة التحقق المستقل من حصيلة الضحايا بسبب وقوع الغارات والاشتباكات في مناطق جبلية معزولة، يصعب على الصحفيين والمنظمات الحقوقية الوصول إليها. ولا تتوافر، بحسب التحقيق، بيانات رسمية شاملة تحدد العدد الدقيق للمدنيين الذين قُتلوا أو أُصيبوا خلال الحرب على التنظيم.

حرب على التنظيم أم كلفة يدفعها المدنيون؟

تسلط القضية الضوء على المعضلة التي تواجه العمليات الجوية في المناطق التي يعيش فيها مدنيون بالقرب من الجماعات المسلحة: فاستهداف تنظيم الدولة لا يلغي الالتزام بالتمييز بين المقاتلين والمدنيين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالسكان.

كما تكشف الواقعة عن جانب آخر من الصراع لا يظهر عادة في البيانات العسكرية، يتمثل في تدمير مصادر رزق المجتمعات الرعوية وتشريدها، وما يترتب على ذلك من فقدان المساكن والمواشي وصعوبة الحصول على العلاج، حتى بالنسبة إلى الناجين من القصف.

وبينما يتراجع الدور الإماراتي المباشر في الضربات الجوية وتتقدم الولايات المتحدة لقيادة جانب أكبر من العمليات، تبقى الأسئلة المتعلقة بالمساءلة عن الخسائر المدنية قائمة: من يتحقق من هوية الأهداف؟ ومن يراجع نتائج الضربات؟ وما الآليات المتاحة لتعويض الأسر التي فقدت أبناءها ومصادر معيشتها؟

في جبال عالمسكاد، لا تختصر نتائج الحرب في المواقع التي يخسرها تنظيم الدولة أو يكسبها، بل تمتد إلى عائلات رعوية وجدت نفسها، رغم انتقالها بعيدًا عن مناطق القتال، أمام خطر لم تتمكن من تجنبه.